الشيخ محمد رشيد رضا
366
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
اللعب على اللهو ، وقال تعالى في سورة العنكبوت ( 29 : 64 وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ) وقد قدم في هذه ذكر اللهو على اللعب ، وأكثر المفسرين لا يعنون ببيان نكتة لذلك لان العطف بالواو لا يفيد ترتيبا بل مطلق الجمع بين المعطوف والمعطوف عليه . ومنهم من يرى أن مثل هذا لا يقع في كتاب اللّه تعالى الا لفائدة ، وقد نقل السيد الآلوسي في روح المعاني كلاما ركيكا في الفرق بين الاستعمالين عزاه إلى الدرة وقال في آخره : قاله مولانا شهاب الدين فليفهم . وهو أمر بما لا يستطاع من فهم ذلك الكلام المضطرب المبهم والذي يظهر لنا في نكتة ذلك أن تقديم اللعب علي اللهو لا يحتاج إلى تعليل لأنه الأصل المقدم في الوجود ، وقد فصلت آية الحديد متاع الحياة الدنيا بحسب ترتيبه الذي تقتضيه الفطرة البشرية فقدم فيها اللعب لان أول عمل للطفل يلذ له هو اللعب المقصود عنده لذاته ، وذكر بعده اللهو لما فيه من القصد الذي لا يأتي من الطفل ، لأنه لا يحصل الا لذي الفكر ، وبعده الزينة التي هي شأن سن الصبا ، وبعده التفاخر الذي هو شأن الشبان ، وبعده التكاثر في الأموال والأولاد الذي هو شأن الكهول والشيوخ ، فالنكتة ينبغي أن تلتمس في آية العنكبوت لا في هذه الآية ولا في آيتي محمد والانعام . وقد وردت في سياق إقامة الحجج العقلية على المشركين ، فذكر فيها اللهو قبل اللعب على طريقة التدلي المؤذن بالانتقال من الشيء إلى ما هو دونه في نظر العقلاء ، فان اللعب من العاقل الذي لا يليق به العبث أقبح من اللهو ، إذ اللهو تقصد به فائدة ولو سلبية ، واللعب هو العبث الذي لا تقصد به فائدة البتة ، فهو شأن الأطفال لا العقلاء العالمين بالمصالح ، الذين يقصدون بكل عمل من أعمالهم إما دفع بعض المضار ، واما تحصيل بعض المنافع . ولذلك بين جهلهم بقوله ( وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ) وقال في الحجة التي قبلها ( ولكن أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ ) ولا حاجة إلى مثل هذا التدلي في آية الانعام التي نفسرها ، فإنها لم ترد في سياق حجج الايمان العقلية التي يراد بها بيان ضعف نظر المشركين وجهلهم وان ذيلت بالتوبيخ على عدم عقل ما قرر فيها ، بل وردت في بيان حقيقة الدنيا بعد الاعلام بما يصيب المفتونين بها في الآخرة بحصر همهم في لذاتها ، وتلاه بيان المقابلة بينهم